في رثاء المرحوم فؤاد الطاهري … المناضل الذي رحل خفيفا وبقي أثره في القلوب محمد مقدمي
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
ونحن نُشيع، عصر يوم الأحد 23 مارس 2026 ، المرحوم العزيز فؤاد الطاهري إلى مثواه الأخير، ونصغي إلى كلمة شقيقه Youssef Tahri، بدا لي أن ما يُقال لم يكن مجرد رثاء عابر، بل كان سيرة قلب نابض بالخير تُتلى على مسامعنا.
كانت كلماته تستحضر المرحوم فؤاد كما لو أنه حاضر بيننا، يعود إلينا لحظة بلحظة، ملامح وصوتا وأثرا، يحدثنا عن علاقته به، وعن ذلك الإنسان الذي كان يحمل هم الناس في حيه كما يحمل المرء هم نفسه، يسعى بينهم بمحبة الخادم الصادق، ويجعل من قضاء حوائجهم معنى لحياته وطمأنينة لروحه.
كان يتحدث عن نضاله، عن ذلك الانحياز الصادق للمظلوم، وعن رفضه العميق لكل أشكال الظلم، بكلمات خرجت من القلب فاستقرت في قلوب الحاضرين دون استئذان.
وفي تلك اللحظات، شعرت أن شيئا داخلي ينكسر بهدوء، غمرت عيناي الدموع، ليس فقط لأننا نودع صديقا، بل لأننا نودع روحا نادرة، إنسانا كان يمشي بيننا خفيفا، يزرع الخير دون أن ينتظر أن يُذكر أو يُشكر.
ودعناه ، وواريناه الثرى، لكن حضوره لم يُوارَ معنا. بقي عالقا في تفاصيلنا، في الأماكن التي عرفته، في اللحظات التي جمعتنا به، كأن الغياب لم يستطع أن يمحو أثره، بل زاده رسوخا فينا.
كان فؤاد خفيف الظل، خفيفا كنسمة تمر على الروح فتُنعشها دون أن تُثقِلها. كان حضوره راحة، وكلمته دفء، وضحكته حياة. قلبه، رغم ما أنهكه من علة، كان أوسع من الألم، يحتضن الجميع بمحبة صامتة، ويمنح دون ضجيج، وكأن العطاء كان طبيعته الأولى.
حتى نضاله كان يشبهه، هادئا، صادقا، بلا ادعاء. لم يكن يبحث عن الأضواء ، بل كان يسير حيث يكون الحق، حيث يستحق الموقف أن يُحضر له قلبه قبل جسده. لم يتخلف يوما عن نصرة فلسطين وغزة، ولا عن رفض ومناهضة التطبيع، إلا إذا منعه عذر لا يعلمه إلا الله، وكان حضوره دائما صادقا كأنه جزء من إيمانه لا موقفا عابرا.
كان خفيفا في كل شيء، في نكتته التي تُبهج دون تكلف، في ضحكته التي تسبق كلماته، في جلسته بين الأصدقاء التي تمنحك شعورا بأنك في مكانك الصحيح.
وها هو اليوم يرحل كما عاش، خفيفا، طيب الأثر، كأنما مر من هذه الحياة مرور العابرين الجميلين، الذين لا يتركون خلفهم ضجيجا، بل يتركون في القلوب أثرا لا يُمحى.
كان لفؤاد، ولأخيه العزيز يوسف، مكانة خاصة في القلب. كم جلسنا معا، وكم اختلفنا، لكن ذلك الاختلاف كان دائما محاطا بهالة من الاحترام الصادق. كانا يُنصتان بصدق، ويُقدران الرأي مهما خالفهما، ويجعلانك تشعر أن الاختلاف لا يُفسد للود معنى، بل يزيده عمقا ونضجا.
واليوم، في جنازته، لم يكن الحضور عاديا، كان مشهدا إنسانيا نادرا، حيث اجتمع الجميع، من اليمين إلى اليسار، من مختلف الأطياف، وكأن فؤاد – حتى وهو يُودَّع – استطاع أن يفعل ما لم تستطع السياسة أن تفعله، أن يجمع القلوب، وأن يُقرب المسافات، وأن يُذكرنا بأن العلاقات الاجتماعية والإنسانية أوسع من كل اختلاف.
إن أصعب ما في الفقد، كما قال غسان كنفاني، ليس الرحيل نفسه، بل بقاء التفاصيل الصغيرة حية، تلك التي كانت تبدو عابرة، فإذا بها تتحول بعد الغياب إلى ذاكرة موجعة وجميلة في آن واحد.
ستبقى تفاصيلك يا فؤاد، ضحكتك التي كانت تُضيء الجلسات، كلماتك التي كانت تُطمئن، حضورك الهادئ الذي كان يملأ المكان دون أن يطلب شيئا.
ستبقى فينا، كما لو أنك لم ترحل. ستبقى أثرا طيبا في القلوب، وذكرى دافئة في الأرواح، ودعاء لا ينقطع في الغيب.
رحمك الله يا عزيزي، وجعل مثواك الجنة، وجعل كل ما زرعته في قلوب الناس نورا يُضيء لك طريقك، وألهم أهلك وذويك وأصدقاءك جميل الصبر والسلوان.
يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ .
والحمد لله رب العالمين
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار