من شركة التنمية المحلية إلى مجموعة الجماعات تريفة … إعادة توزيع الفشل ببركان .
منذ تأسيس شركة التنمية المحلية “مرافق بركان” سنة 2018، وأنا أتابع مسارها وتحولاتها، لا باعتبارها تجربة تقنية معزولة، بل كخيار سياسي وتدبيري فُرض على الجماعات الترابية بالإقليم في سياق كانت فيه السلطة الإدارية أي عامل الاقليم هي المحدد الفعلي لاتجاهات التدبير المحلي.
كتبنا حينها عن الخلفيات الحقيقية لإنشاء هذه الشركة، وعن الطريقة التي جرى بها فرضها على المجالس الترابية بالقوة، في عهد العامل السابق محمد علي حبوها، حيث تم رهن الإمكانيات المادية واللوجستيكية للجماعات داخل هذه الشركة، دون نقاش حقيقي مع المعنين ( المجالس المنتخبة )، ودون تقييم موضوعي للتجارب المماثلة التي كانت قد أثبتت فشلها في أكثر من إقليم.
منذ اللحظة الأولى، لم تُبنَ “مرافق بركان” على إرادة جماعية حرة، ولا على تصور تشاركي واضح، بل على منطق القرار الأحادي وفرض الاختيارات من أعلى، وهو ما انعكس مباشرة على طريقة التدبير، حيث تحوّلت الشركة إلى فضاء مغلق تُتخذ فيه القرارات الاستراتيجية خارج منطق المحاسبة السياسية، وبعيدا عن الرقابة الفعلية للمجالس المنتخبة. هذا المسار قاد تدريجيا إلى إفلاس أغلب المرافق التي أُسند تدبيرها للشركة، من قطاع النظافة إلى النقل والبيئة وأسواق القرب وغيرها من المرافق، وهي مرافق حيوية كان يفترض أن تشكل رافعة لتحسين جودة العيش، فإذا بها تتحول إلى عبء مالي وتنظيمي على الجماعات والساكنة معا.
وتبقى تجربة النقل الحضري، عبر شركة “حركية بركان”، النموذج الأوضح لهذا الفشل. فمنذ انطلاقها، ارتبط هذا المرفق بقرارات مرتجلة وصفقات مثيرة للجدل، أبرزها اقتناء أسطول من الحافلات المستعملة القادمة من خردة بلجيكا، دون مراعاة حقيقية لحاجيات الإقليم ولا لشروط الاستدامة التقنية والمالية. ومع مرور الوقت، تكرس العجز، وتراكمت الخسائر، وتدهورت الخدمة، في ظل غياب أي تقييم شجاع للمسار، أو مساءلة حقيقية للمسؤولين عن هذا الاختيار من أساسه.
ولم يكن مستغربا، في هذا السياق، أن ينتهي الأمر بالمدير السابق الذي جاء به العامل محمد علي حبوها إلى المتابعة القضائية رفقة عدد من المسؤولين الذين اشتغلوا في تلك المرحلة. غير أن الاقتصار على محاسبة المنفذين، دون مساءلة من صمم وفرض ووجه هذا النموذج التدبيري، يطرح سؤال العدالة في تحمل المسؤولية، ويجعل المتابعة القضائية مجرد معالجة للأعراض لا لجذور المرض.
اليوم، ونحن نتابع إدراج نقطة تتعلق بإضافة تدبير النقل الحضري والنقل ما بين الجماعات إلى مجال تدخل مجموعة الجماعات “تريفة”، يطفو إلى السطح سؤال جوهري: ما الذي تغير حتى يتم هذا التحويل المفاجئ؟
الجميع يعلم أن مجموعة الجماعات “تريفة” أُحدثت أصلا لتدبير مرفق محدد يتعلق بالنظافة، قبل أن يُسحب جزء من هذا الاختصاص ويُسند إلى شركة التنمية المحلية بدعوى اعتبارات تقنية ومالية وتنظيمية.
فإذا كان هذا الاختيار قد فشل، فلماذا لا يتم الاعتراف بالفشل وتحديد المسؤوليات، بدل البحث عن إطار جديد لترحيل الأزمة؟
الإشكال الحقيقي هنا لا يكمن فقط في الجوانب القانونية المرتبطة بتداخل الاختصاصات بين الهيئات الترابية، بل في منطق تدبير الشأن المحلي نفسه، حيث يتم الانتقال من صيغة إلى أخرى دون تقييم، ومن مؤسسة إلى أخرى دون محاسبة، وكأن المرافق العمومية حقل تجارب لا تترتب عن فشلها أي كلفة سياسية أو إدارية.
إن تحويل تدبير قطاع حساس كالنقل الحضري من شركة التنمية المحلية إلى مجموعة الجماعات “تريفة” لا يمكن أن يُفهم إلا في سياق محاولة امتصاص فشل واضح، خاصة في ظل الوضع المالي المقلق الذي تعيشه الشركة، واستمرار نزيف الخسائر في مرفق حركية بركان.
لقد كتبنا منذ اليوم الأول لتأسيس شركة التنمية المحلية “مرافق بركان”، انطلاقا من حصيلة هذه الشركات في مدن وأقاليم أخرى، أن هذا النموذج، حين يُفرض ولا يُختار، وحين يُدار بمنطق السلطة لا بمنطق الحكامة، مآله الفشل. واليوم، ومع توالي المؤشرات السلبية، يتأكد أن ما حذرنا منه لم يكن تشاؤما او عدمية ولا موقفا سياسيا مسبقا، بل قراءة واقعية لمسار اختير له أن يبدأ خارج الإرادة الديمقراطية والتشاركية، فكانت نهايته منسجمة مع بدايته.
وما لم يتم فتح نقاش حقيقي حول المسؤوليات، وربط التدبير بالمحاسبة، فإن الإعلان عن فشل باقي المرافق التابعة لشركة التنمية المحلية لن يكون سوى مسألة وقت.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار