*مباراة توظيف جامعية تثير نقاشًا حول معايير النزاهة*
لم يعد ما حدث في مباراة توظيف أستاذ محاضر بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، برسم دورة 29 نونبر 2025، في منصب «التواصل والإعلام الرقمي والوسائط المتعددة»، مجرد شبهة عابرة أو همس في الكواليس، بل تحوّل إلى فضيحة أكاديمية مكتملة الأركان، تمسّ في العمق صدقية الجامعة، وتضع منظومة التوظيف الجامعي برمتها في قفص الاتهام.
- كيف يمكن تفسير تداول اسم مترشح بعينه باعتباره «الناجح» قبل الإعلان الرسمي عن النتائج؟ وكيف يُعقل أن يصرّح المترشح نفسه، يوم المقابلة الشفوية، الجمعة 19 دجنبر 2025، داخل فضاء المباراة وخارجه، بأن النتيجة «محسومة سلفًا»؟
أي عبث هذا؟ وأي استخفاف بعقول المترشحين وبهيبة المؤسسة الجامعية؟
ما جرى لا يمكن تبريره بثقة زائدة في النفس، ولا بقراءة متفائلة للمسار، بل يُشكّل خرقًا فجًّا لمبدأ السرية، وضربًا مباشرًا لمبدأ تكافؤ الفرص، ورسالة خطيرة مفادها أن النتائج لا تُنتَج داخل اللجان، بل تُطبَخ خارجها، وتُسوَّق قبل أوانها.
الأخطر من ذلك، أن هذا «اليقين المسبق» لم يأتِ من فراغ، بل جرى ربطه – صراحة أو ضمنًا – بمعطيات يُفترض أنها صادرة من داخل اللجنة المشرفة على المباراة أو من دوائر قريبة منها. وهنا، لا نتحدث عن شك عابر، بل عن اشتباه مشروع في حياد اللجنة واستقلالية قرارها، بما يُحوّل المباراة من استحقاق علمي إلى إجراء شكلي فاقد للمعنى.
وتتضاعف خطورة الوقائع حين تُضاف معطيات عن علاقات شخصية مباشرة بين المترشح وبعض أعضاء اللجنة، من بينهم رئيسها وعضوها، مدعومة بتفاعلات وتعليقات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، لا تمت بصلة لا للحياد الأكاديمي ولا للوقار المفترض في لجان التوظيف:
«حبيب الملايين»، «صديقي اللطيف»، «بالتوفيق سير عالله روووول»، «ألف مباااارك»…
ناهيك عن صور توثق القرب الشخصي والعناق مع عضوي اللجنة.
ولا يتعلق الأمر هنا بنقاش أخلاقي حول العلاقات الإنسانية، بل بطرح مسألة تضارب محتمل للمصالح داخل مسار انتقائي يفترض التجرد التام، والمسافة الأخلاقية الصارمة، وقطع الطريق على كل شبهة محاباة أو تأثير غير مشروع. فحين تختلط الصداقة بالقرار العمومي، تصبح النزاهة أول الضحايا، حتى قبل البحث عن «الدليل القاطع».
إن الإيحاء بحسم نتيجة مباراة عمومية قبل الإعلان الرسمي عنها يُعد اعتداءً صريحًا على ثقة المجتمع الأكاديمي، وإهانة لكرامة المترشحين، وتكريسًا لمنطق خطير مفاده أن المسار العلمي والكفاءة لا يكفيان، ما لم يكونا مدعومين بعلاقات وولاءات.
ويجمع فاعلون وباحثون على أن استمرار مثل هذه الممارسات – إن ثبتت – يُفرغ الجامعة من دورها كفضاء للإنصاف والاستحقاق، ويحوّلها إلى آلية لإعادة إنتاج الزبونية والإقصاء، ويقضي على ما تبقى من أمل لدى الكفاءات الشابة التي لا تزال ترى في الجامعة آخر معاقل العدالة الرمزية.
وفي ظل هذا الوضع، يصبح الصمت المؤسسي أكثر خطورة من الفعل نفسه. فعدم فتح تحقيق فوري، مستقل وشفاف، لا يُقرأ إلا كتواطؤ سلبي، أو استهانة بحجم الضرر الذي لحق بصورة الجامعة ومكانتها.
إن فتح تحقيق إداري جدي لم يعد ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة استعجالية لحماية سمعة جامعة ابن طفيل، وتحديد مصدر تسريب المعطيات، ومساءلة كل من ثبت إخلاله بواجب السرية أو الحياد.
فالجامعة ليست ضيعة خاصة، ولا مجالًا لتصفية الحسابات أو مكافأة الأصدقاء، ومباريات التوظيف ليست مسرحيات تُستكمل فصولها خارج القاعات المغلقة.
وبناءً على ما سبق، نطالب الجهات الوصية، ووزارة التعليم العالي، والمجلس الأعلى للحسابات، بفتح تحقيق عاجل وشفاف، يُرتّب المسؤوليات، ويعيد الاعتبار لمنطق الاستحقاق، ويضع حدًا لكل محاولات العبث بمستقبل الجامعة المغربية.
ويبقى السؤال الجوهري، الذي لا يمكن القفز عليه:
هل تُصنع قرارات التوظيف بجامعة ابن طفيل داخل اللجان وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، أم تُحسم خارجها قبل أن يُعلَن عنها رسميًا؟
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار