فن و ثقافة

تصريح مدير مهرجان مارينا بالسعيدية حول الشباب يطرح أكثر من علامة استفهام: هل اختُزلت قضايا الشباب في حضور سهرة فنية؟

تصريح مدير مهرجان مارينا بالسعيدية حول الشباب يفتح باب النقاش: هل تكفي السهرات الفنية لتلبية انتظارات الشباب؟ أم أن قضاياهم الحقيقية تحتاج إلى برامج وفرص وحلول أكثر جدية؟

وأنا أستمع إلى تصريح مدير مهرجان مارينا بشاطئ السعيدية، صراحةً، أصبت بشيء من الذهول والاستغراب، ليس بسبب تنظيم مهرجان فني، فهذا حق مشروع، وإنما بسبب الطريقة التي تم بها الحديث عن الشباب وقضاياهم.
السيد المدير، وأنت ابن مدينة بركان، ومحسوب على الجالية المغربية، وتعرف جيداً واقع ومعاناة أبناء المنطقة، بل وتقدم نفسك أيضاً كصحفي ومتابع للشأن العام، لا شك أنك تدرك أن هموم الشباب اليوم أكبر بكثير من حضور مهرجان فني أو الاستمتاع بحفلة موسيقية. أنت تعلم أن جزءاً كبيراً من الشباب يعيش تحت ضغط غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، ويواجه صعوبات مرتبطة بالتعليم والصحة وفرص الشغل، وأن حلم الهجرة أصبح حاضراً بقوة لدى فئات من الشباب.
كما تابعنا جميعاً ما وقع في سبتة، وما رافق ذلك من نقاشات حول أوضاع الشباب ومستقبلهم. لذلك، عندما يتم الحديث عن الشباب وكأن مشكلتهم الأساسية هي حضور مهرجان فني، فإن السؤال المشروع هو: هل فعلاً هذا هو الانشغال الأول للشباب؟ نعم، السعيدية مدينة سياحية، وبطبيعة الحال تحتاج إلى الثقافة والفن والترفيه.
لكن السعيدية ليست فقط شاطئاً ورمالاً وشمساً كما قلت في تصريحك.
السعيدية التي تعرفها جيداً، باعتبارك ابن المنطقة، تعاني بدورها من عدد من الإشكالات التي تحتاج إلى الاهتمام، من بينها ضعف الإنارة العمومية في بعض الشوارع والأزقة، ومشكل النظافة وانتشار الأزبال في عدد من النقاط، إضافة إلى تحديات أخرى مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات. ثم إن السعيدية تعرف أصلاً خلال فصل الصيف عشرات الأنشطة والسهرات الفنية التي تنظمها المقاهي والفضاءات المختلفة، وبالتالي فمهرجان مارينا ليس أول حدث فني تحتضنه المدينة، ولا يمكن تقديمه وكأنه الحل أو البديل عن كل مظاهر الترفيه. والأهم من ذلك، أن الحضور الجماهيري الضعيف خلال بعض فقرات المهرجان يطرح بدوره سؤالاً حول مدى الإشعاع الذي حققه هذا الحدث، ومدى قدرته فعلاً على استقطاب الجمهور وصناعة قيمة مضافة للمدينة.
السيد المدير، نقدنا ليس موجهاً ضد الفن ولا ضد المهرجان، وإنما ضد اختزال قضايا الشباب في مهرجان. إذا أردنا فعلاً الحديث عن الشباب، فلنتحدث عن فرص الشغل، والتعليم، والصحة، والرياضة، والثقافة، والفضاءات التي تحتضن مواهبهم، وعن مستقبلهم داخل مدنهم، حتى لا يصبح حلمهم الوحيد هو مغادرة الوطن. السعيدية تحتاج إلى مهرجانات، نعم… لكنها تحتاج قبل ذلك إلى معالجة مشاكلها الحقيقية.
ولهذا، أقول لك بكل احترام: الحديث عن الشباب في ذلك السياق كان في غير محله، لأن شباب المنطقة ينتظرون أكثر من حفلة ومهرجان وهل نجح المهرجان فعلاً في صناعة الإشعاع؟ هنا أيضاً يحق للرأي العام أن يطرح سؤالاً مشروعاً: ما حجم الإشعاع الذي حققه مهرجان مارينا؟ هل نجح فعلاً في استقطاب الجمهور؟ هل خلق إشعاعاً للسعيدية؟ هل ترك أثراً اقتصادياً وثقافياً حقيقياً؟ وهل استفاد منه شباب المنطقة؟ نقد المهرجان لا يعني معاداة الفن من السهل اتهام المنتقدين بأنهم ضد الفن أو ضد المهرجانات. لكن الحقيقة أن النقد هو جزء من الحياة العامة. ومن حق الصحافة والرأي العام أن يسألا عن جدوى أي تظاهرة، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بمدينة سياحية وبانتظارات سكانها وزوارها.
نحن لا نطالب بإلغاء المهرجانات، بل نطالب بأن تكون أكثر ارتباطاً بحاجيات المدينة، وأن تتجاوز منطق الحفلات العابرة إلى خلق قيمة ثقافية واقتصادية حقيقية.

كما أن الحديث عن الشباب يجب أن يكون أوسع بكثير من الحديث عن الجمهور. الشباب ليسوا مجرد أرقام أمام منصة. الشباب هم أصحاب أفكار ومواهب ومشاريع وطموحات، ويحتاجون إلى فضاءات للرياضة والثقافة والتكوين والإبداع وفرص حقيقية لبناء مستقبلهم. كلمة أخيرة إلى مدير المهرجان السيد المدير، بحكم أنك ابن المنطقة وتعرفها جيداً، فإن الحديث عن شباب السعيدية وبركان يستحق أن يكون أكثر عمقاً.
الشباب الذين نراهم اليوم أمام المنصات هم أنفسهم الذين نراهم يبحثون عن العمل، وعن فضاءات للرياضة، وعن فرص للتكوين، وعن مستقبل أفضل. لذلك، لا تجعلوا من المهرجان معياراً لمدى اهتمام المدينة بشبابها.
فالسعيدية تحتاج إلى الفن، نعم. وتحتاج إلى المهرجانات، نعم. لكنها تحتاج أيضاً إلى الإنارة والنظافة والبنية التحتية والفضاءات الشبابية والتنمية وفرص الاستثمار والعمل. أما الشباب، فهم لا يريدون فقط أن نقول لهم: تعالوا إلى المهرجان. وكونك صحفي كان الأجمل ان نكون مرآة لاحقيقة للواقع الجوهرة الزرقاء إنهم يريدون أن نقول لهم أيضاً: ابقوا هنا… لأن لكم مستقبلاً هنا. عالم أون لاين مقال رأي

اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار