مستشفى الدراق: إصلاح الصحة يبدأ بالإنصاف قبل الإدانة… الحقيقة كاملة بعيدًا عن الشعبوية
أصبح مستشفى الدراق الإقليمي ببركان، في الآونة الأخيرة، محور نقاش واسع وجدَل محتدم على مواقع التواصل الاجتماعي، بين من يعبّر عن غضبه من اختلالات حقيقية في الخدمات الصحية، وبين من يحوّل هذا الغضب إلى سبّ وشتم وتجريح، متجاوزًا حدود النقد المسؤول.
ولا يختلف اثنان حول أن واقع المستشفى يعاني من مشاكل بنيوية، وأن معاناة المرضى وضغط العمل على الأطر الصحية حقيقة لا يمكن إنكارها. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يخدم هذا الأسلوب الفجّ في النقد مصلحة المواطن؟ أم أنه يختزل أزمة معقّدة في شماعة سهلة تُعلَّق عليها كل الإخفاقات؟
لكن قبل أن أبدأ كتابة هذا المقال، قلت مع نفسي: قد يظنّ أصحاب النفوس المريضة، وأصحاب الأحكام الجاهزة، أن ما سأكتبه هو محاولة لتجميل صورة المستشفى الإقليمي الدراق أو العاملين به، من أطر طبية وتمريضية وحتى حراس الأمن الخاص.
لكن السؤال الجوهري هل أصبح السبّ والشتم وسيلةً لكسب التفاعل والمشاهدات؟ ولماذا تحوّل النقد لدى بعض الصفحات إلى أداة للإهانة لا للإصلاح؟
وهل من العدل أن نبحث عن “الترند” على حساب رجال ونساء من أبناء مدينتنا؟ نعرف بعضهم، نجالس بعضهم، وقد يكونون أقرباءنا أو جيراننا. هؤلاء ليسوا من عالم آخر، بل يعيشون بيننا، يتقاسمون معنا هموم الحياة اليومية، ولهم عائلات وأبناء يدرسون مع أبنائنا.
الواقع أن بعض الصفحات، رغم نقلها جوانب من الحقيقة حول مستشفى الدراق، تتجاوز أحيانًا حدود المهنية، فتجعل من معاناة المرضى مادةً للإثارة، ومن صعوبات الأطر الطبية وقودًا لجلب المشاهدات، وهو ما يضرّ أكثر مما ينفع.
صحيح أن الجميع، دون استثناء، أصبح عرضة للانتقادات اللاذعة من طرف عدد من المواطنين، خصوصًا عند نشر مقالات عن واقع الصحة بالإقليم، أو عن حالات وفاة أو إهمال طبي.
لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن نطرحه بصدق هو:
هل كل العاملين في المستشفى مجرمون؟
هل الجميع سواسية في التقصير؟
ألا يوجد بينهم شرفاء نزهاء يشتغلون بضمير مهني وأخلاقي؟
ثم، هل قطاع الصحة هو الوحيد الذي يعاني فيه المواطن من الإهمال والحكرة؟ وهل يجد المواطن في باقي الإدارات والمؤسسات العمومية تلك الرحمة والمودة التي يطالب بها في المستشفى؟
قد يظنّ البعض أن هذا المقال “مدفوع الأجر”، لأن فئة من القراء لا ترى في الإعلام إلا المقالات السوداء التي تهدم ولا تبني. غير أن هذه النظرة هي التي تغذّي الصحافة الصفراء وتكرّس ثقافة السلبية.
أما نحن، كإعلاميين، فقد نقلنا في مناسبات عديدة واقع المستشفى كما هو، بمهنية وموضوعية، وكتبنا عن معاناة المرضى ومشاكل البنية التحتية دون تزييف أو مجاملة.
بل إن المفارقة تكمن في أن بعض من يوجّهون اليوم انتقادات قاسية للمستشفى، تجدهم في مواقف أخرى يشكرون الأطر الطبية والتمريضية على مجهودات إنسانية ومواقف نبيلة تستحق التقدير.
فهل يجب أن نسبّ ونشتم جميع الأطر الصحية فقط لكسب التفاعل والمشاهدات؟
وهل يجوز أن تُنتهك كرامة رجال ونساء يشتغلون في ظروف صعبة، فقط لأننا نبحث عن “عنوان مثير”؟
هؤلاء الأطباء والممرضون ليسوا من عالم آخر، بل هم أبناء هذه المدينة: بعضهم أقرباؤنا، وبعضهم جيراننا، يعيشون بيننا، وأبناؤهم يدرسون مع أبنائنا. وحتى أولئك القادمين من خارج الإقليم، فهم يقطعون المسافات يوميًا ويعيشون بيننا من أجل أداء واجبهم الإنساني والمهني.
والغريب في الأمر أن ما يطالب به المواطنون وساكنة بركان هو نفسه ما يطالب به الأطباء والممرضون والتقنيون. الفرق فقط في وسيلة التعبير:
المواطن يعبّر بالاحتجاج أو بالمقال،
والإطار الصحي يعبّر ببيان نقابي أو بمراسلة رسمية للوزارة الوصية.
لقد خرجت الأطر الصحية في أكثر من مناسبة في وقفات احتجاجية داخل مستشفى الدراق، رافعين شعارات تطالب بالتجهيزات، وتوفير الموارد البشرية، وتحسين ظروف العمل. وهو ما يؤكد أن المعاناة مشتركة، وأن الجميع — مواطنين ومهنيين — ضحايا منظومة صحية مختلة.
من غير المنصف أن نُختزل مستشفى الدراق في عناوين قاتمة تصفه بـ“مستشفى الموت” أو “السفينة الغارقة”.
فهل كل من يدخل المستشفى يموت؟
وهل كل العاملين فيه مقصّرون؟
الجواب، بكل تأكيد، هو: لا.
كم من مريض وجد في طبيب أو ممرضة، أو حتى في حارس أمن، سندًا إنسانيًا في لحظة ضعف! وكم من علاقة طيبة نشأت بفضل موقف نبيل أو مساعدة صادقة!
ورغم ضيق الإمكانيات ونقص الموارد، يواصل هؤلاء عملهم في صمت، بتفانٍ ومسؤولية، مؤمنين برسالتهم الإنسانية قبل المهنية، في وقت يزداد فيه الضغط وعدد الحالات اليومية بما يفوق الطاقة الاستيعابية للمستشفى.
مسؤولية تتجاوز الأفراد
لا أحد ينكر أن قطاع الصحة في بلادنا يعاني اختلالات هيكلية، ومستشفى الدراق ليس استثناءً. غير أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الوزارة الوصية، التي تمتلك صلاحية التجهيز، والتعيين، وتوفير التخصصات الطبية والمعدات الحيوية.
فهل من المنطقي أن نحمّل الأطر الطبية وزر إخفاقاتٍ نظامية؟
أليس من العدل أن نميّز بين من يعمل في الميدان بإمكانيات محدودة، ومن يمتلك القرار في المكاتب المكيفة؟
إن الوضع في مستشفى الدراق، كما في غيره من المستشفيات العمومية، يحتاج إلى رؤية إصلاحية شاملة، تبدأ بتحسين ظروف العمل، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وتحفيز الكفاءات الصحية على البقاء، بدل الهجرة نحو القطاع الخاص أو الخارج.
كلمة الحق والرحمة
إننا، أحيانًا، نظلم حين نرى فقط الجانب السلبي، ونتجاهل ما يُنجز في صمت.
وكما قال الله تعالى في خطابه لسيدنا موسى عليه السلام عن فرعون، رغم ظلمه وجبروته:
﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ فَقُل لَّهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44)
فما أحوجنا اليوم إلى القول اللين والعدل في أحكامنا، بدل التهجم والاتهام.
ورسول الله ﷺ، حين أُوذي في الطائف، لم يدعُ على قومه، بل قال:
“اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون”.
وهكذا يجب أن تكون نظرتنا إلى الإصلاح:
بالرحمة، والإنصاف، والكلمة الطيبة، لأنها صدقة كما قال النبي ﷺ:
“والكلمة الطيبة صدقة”.
فلنجعل من نقدنا طريقًا للإصلاح، ومن إنصافنا دواءً لما اعتلّ في جسد هذا القطاع.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار