حين خطب الزعيم على أطلال الإتحاد… بقلم: محمد الهرد
«حين خطب الزعيم على أطلال الإتحاد…
بقلم: محمد الهرد
في بوزنيقة، لم يكن خطاب إدريس لشكر أشبه بافتتاح مؤتمرٍ حزبي بقدر ما كان أشبه بخطاب وداعٍ على قبر حزبٍ كان ذات يوم مدرسة وطنية للفكر والنضال. لقد حاول الزعيم أن يبعث الروح في جسدٍ سياسي فقد نبضه منذ زمن، لكن كلماته بدت كمن يوقظ صدىً لا يُسمع.
الرجل الذي تحدث عن “تآكل الثقة واتساع الفوارق” هو نفسه من قاد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى التآكل الداخلي، فحوّله من فضاء فكري ونضالي رائد إلى جهاز انتخابي يعيش على فتات الريع السياسي ودفء التحالفات المصلحية.
لقد نسي لشكر أن الحزب الذي يتحدث عنه اليوم باعتباره عند “منعطف تاريخي” هو نفسه الحزب الذي كان ذات يوم أحد صُنّاع التاريخ الوطني، قبل أن يُفرّغه من محتواه ويُجرّده من نبضه النضالي ويحوّله إلى واجهة لخطاباتٍ إنشائية فقدت الصدق والعمق.
وعندما يتحدث عن “الوضوح الفكري والجرأة السياسية”، فإن المفارقة تكمن في غياب هاتين الصفتين عن مساره السياسي؛ إذ بُنيت زعامته على الازدواجية وتكييف المواقف حسب المصالح، لا حسب المبادئ. وحتى حين وجّه سهامه إلى “الريع والزبونية”، بدا كمن يطلق النار على ظله، لأن ريع الزعامة هو ما يُحرّك موقعه اليوم: زعامة محكومة بالتحكم في المؤتمرات، وبتوزيع الولاءات، وتفصيل المناصب على المقاس.
وما يسميه “أزمة الثقة بين المسؤولين والمواطنين” ليس سوى انعكاسٍ مباشر لأزمةٍ أعمق بين المغاربة وحزبهم التاريخي، بعدما تحوّل إلى ظلٍ باهت لتاريخه المجيد.
أما حديثه عن “استقلال القضاء” و”ازدواجية القرار” فقد بدا محاولةً لإعادة تسويق صورة زعيمٍ معارض من داخل قاعةٍ مكيفة، بينما تاريخه في مهادنة أصحاب النفوذ، ومهاجمة كل صوتٍ معارض داخل الحزب، يكشف العكس تماماً. خطابه لم يكن دعوة للإصلاح بقدر ما كان محاولة لتمديد عمر زعامةٍ انتهى مفعولها السياسي.
حتى شعاره عن “الانتقال من دولة مسعِفة إلى دولة محفِّزة” لم يكن سوى استعارةٍ باهتة، لأن الحزب الذي يقوده لم يعد قادراً على تحفيز أحد، بعدما أُغلقت نوافذ التعبير داخله، وصارت مؤتمراته تُفصّل على مقاس الولاءات لا على مقاس المبادئ.
في بوزنيقة كان المشهد واضحاً: زعيمٌ غارق في ماضيه، يحدّث الحاضرين عن المستقبل بلغة الأمس. حزبٌ يتنفس من رئة الخطابات القديمة، ويبحث في ركام ذاكرته عن بعثٍ لم يعد ممكناً بنفس الأدوات.
لقد حاول إدريس لشكر أن يتقمص دور المفكر الإصلاحي، لكنه بدا كمن يقرأ من نصٍ فقد صلاحيته، يكرر كليشيهاتٍ لم تعد تقنع أحداً. وحين قال “لسنا هنا لتجميل الواقع”، كان في الحقيقة يفعل ذلك بدقةٍ متقنة، متهرباً من مسؤوليته التاريخية عن انهيار الحزب، محاولاً تحميل غيره وزر ما صنعه بيده.
إن الحقيقة التي لا تحتاج إلى تزيين أن حزب الاتحاد الاشتراكي في عهد إدريس لشكر لم يعد حزباً كما عرفه المغاربة، بل مشروعاً شخصياً مترهلاً لرجلٍ صدّق أن الخطابة يمكن أن تُنقذ ما أفسده غياب الفعل.
رحم الله حزباً كان يوماً ضمير الوطن، قبل أن يُختزل في زعامةٍ تُدير خطاباتها من فوق قبره.
اشترك الآن في القائمة البريدية لموقع عالم أون لاين AalamOnline لمعرفة جديد الاخبار